.webp)
تُعتبر الأجواء الرمضانية في مصر من أروع الأجواء التي لا يمكن لأي بلد آخر أن يُضاهيها، حيث تزين الشوارع والأسواق الشعبية بالفوانيس الجميلة، التي تتعدد أشكالها وألوانها وتضفي لمسة سحرية على ليالي رمضان. منذ قرون طويلة، اعتاد المصريون على تزيين شوارعهم بالفوانيس، وهي عادة راسخة في أذهان الجميع، تزداد جمالًا مع مرور الأيام. يظل "فانوس رمضان" أحد الرموز المميزة لشهر رمضان المبارك، فكيف بدأت هذه العادة؟ وما هي القصص التاريخية التي جعلت من الفانوس جزءًا من احتفالات رمضان؟
أصل كلمة "فانوس"
تعود كلمة "فانوس" إلى الأصل الإغريقي، حيث كانت تشير إلى أي وسيلة إضاءة مثل المصابيح والمشاعل التي استخدمها الإغريق القدماء. ورغم أن الفانوس كان يُستخدم في البداية للإضاءة، إلا أن ارتباطه بشهر رمضان في مصر كان له جذور تاريخية عميقة بدأت مع الدولة الفاطمية.
.webp)
نشأة الفانوس في العهد الفاطمي
ترتبط بداية ظهور فانوس رمضان في مصر بعصر الدولة الفاطمية، التي حكمت مصر في القرن العاشر الميلادي. وتعددت الروايات حول كيفية ظهور الفانوس، لكن أكثرها شهرة هي تلك التي تقول إن الفانوس ظهر لأول مرة عند دخول الخليفة المعز لدين الله الفاطمي إلى القاهرة في رمضان. فعندما وصل المعز إلى المدينة قادمًا من المغرب، خرجت حشود من الناس لاستقباله حاملين المشاعل والفوانيس المضيئة، مما جعل الشوارع تبدو مضاءة كما لو كانت احتفالية كبيرة. ومنذ تلك اللحظة، أصبحت الفوانيس جزءًا من تقاليد شهر رمضان في مصر.
وفي هذا الصدد، أشار الدكتور عبد الرحيم ريحان، الخبير الأثري المصري، إلى أن تاريخ الفانوس في مصر يعود إلى يوم 15 من رمضان 362 هجريًا (972 ميلاديًا) عندما وصل المعز لدين الله إلى مشارف القاهرة. ومنذ ذلك اليوم، أصبحت الفوانيس من مظاهر الاحتفال بشهر رمضان، وتُعتبر جزءًا من الزينة الخاصة بالشوارع والمنازل.
.webp)
الفانوس: أكثر من مجرد إضاءة
لم يكن الفانوس مجرد أداة للإضاءة فقط، بل تحول إلى رمز من رموز الفرح والاحتفال بشهر رمضان، خاصة للأطفال الذين كانوا يحملون الفوانيس أثناء تجوالهم في الشوارع. وفي العصر الفاطمي، بدأت الفوانيس تأخذ طابعًا ترفيهيًا حيث كان الأطفال يطوفون بالأحياء وهم يحملون فوانيسهم ويغنون أغاني خاصة بشهر رمضان، مثل أغنية "وحوي يا وحوي"، التي لازالت ترددها الأجيال حتى اليوم.
الفانوس وارتباطه بالنساء في العهد الفاطمي
إحدى القصص التي تروي علاقة الفانوس بشهر رمضان تتعلق بارتباطه بالنساء في العصر الفاطمي. في ذلك الوقت، كان يُحظر على النساء الخروج ليلاً إلا في شهر رمضان، حيث كان يُسمح لهن بالخروج بشرط أن يتقدمهن صبي صغير يحمل فانوسًا مضاء ليُعلم الناس بوجود سيدة قادمة فيفسحوا لها الطريق. وبذلك، أصبح الفانوس جزءًا لا يتجزأ من تقاليد رمضان في القاهرة.
الفانوس والمسحراتي
في بعض الروايات، يُقال إن الفانوس كان يرتبط أيضًا بالمسحراتي، الشخص الذي يوقظ الناس للسحور في ليالي رمضان. وكان الفانوس يُعلق في منارة المسجد ليعلن حلول وقت السحور. وسرعان ما أصبح الأطفال الذين يحملون الفوانيس يرافقون المسحراتي أثناء تجواله في الأحياء، حيث كانوا يرددون الأغاني مثل "وحوي يا وحوي"، مما زاد من ارتباط الفانوس بشهر رمضان في أذهان الجميع.
.webp)
الفانوس في القاهرة الفاطمية
تستمر الرواية التي تروي أن أحد الخلفاء الفاطميين أراد أن يضيء شوارع القاهرة طوال ليالي رمضان، فصدر أمر لجميع شيوخ المساجد بتعليق فوانيس تحتوي على شموع لإضاءة الطرقات. وبهذا، أصبح الفانوس جزءًا أساسيًا من أجواء الشهر الكريم، وظل هذا التقليد مستمرًا رغم زوال الدولة الفاطمية.
تطور صناعة الفوانيس
مع مرور الزمن، تطورت صناعة الفوانيس بشكل ملحوظ. في البداية، كان الفانوس يُصنع من الصفيح الرخيص، ثم تطور ليصبح فنًا حرفيًا يتميز بالنقوش والزخارف اليدوية الجميلة. تم استخدام مواد مثل النحاس والزجاج الملون لإنشاء فوانيس زاهية ومميزة، وتم وضع قاعدة خشبية تحتوي على الشموع لإضاءة الفانوس. ومع مرور السنوات، تغيرت مواد تصنيع الفوانيس، حيث أصبح بعضها يُصنع من الخشب، المعدن، البلاستيك، وحتى القماش المعروف بـ"الخيامية".
الفانوس في العصر الحديث
اليوم، أصبح الفانوس في مصر جزءًا من ثقافة رمضان، حيث لا يقتصر على الشوارع والمنازل فقط، بل أصبح أيضًا هدية تقليدية تُهدى للأحباء خلال الشهر الفضيل. وتظل صناعة الفوانيس تُعتبر جزءًا مهمًا من الصناعات الحرفية في مصر، ويُعكف الحرفيون على ابتكار تصاميم جديدة ومبتكرة لإضفاء مزيد من البهجة على الأجواء الرمضانية.
يبقى فانوس رمضان أحد الرموز العريقة التي تميز مصر في شهر رمضان. من بداية ظهوره في العصر الفاطمي، مرورًا بتطوراته عبر العصور، إلى أن أصبح جزءًا من الهوية الثقافية المصرية، يظل الفانوس يضيء ليالي رمضان بروحه الخاصة، ويظل الأطفال يحملون فوانيسهم متسابقين في الشوارع مرددين أغاني الفرح والاحتفال. ورغم التطور التكنولوجي، فإن الفانوس يبقى رمزًا أصيلاً يعكس التقاليد والعادات التي تربط المصريين بشهر رمضان المبارك.