.jpg)
كشف بحث جديد عن أن الأطفال الذين يقومون بمهام منزلية في مرحلة رياض الأطفال، بغض النظر عن النوع أو دخل الأسرة أو مستوى تعليم الوالدين، يميلون إلى الحصول على درجات أعلى في الرياضيات في الصف الثالث. هذا الاكتشاف جاء في دراسة نُشرت عام 2018 في دورية طب الأطفال التنموي والسلوكي، والتي أظهرت أيضاً أن الأطفال الذين يمارسون الأعمال المنزلية يتمتعون بعلاقات أفضل مع أقرانهم، ويشعرون بمستوى أعلى من الرضا عن حياتهم مقارنة بأولئك الذين لا يُسند إليهم مثل هذه المهام.
**دراسة طويلة المدى**
شملت الدراسة حوالي 10,000 طفل على مدار أربع سنوات، حيث قام الباحثون بتحليل تأثير المهام المنزلية على الأطفال في المراحل المبكرة من حياتهم. وركزت الدراسة على متابعة الأطفال في مختلف البيئات العائلية، ما أظهر أن أداء الأطفال الذين تكلفهم أسرهم بأعمال منزلية كان أفضل في الرياضيات من نظرائهم الذين لم يُسند إليهم مهام مماثلة. وقد وجد الباحثون أيضاً أن الأطفال الذين شاركوا في الأعمال المنزلية أظهروا تطوراً ملحوظاً في العلاقات الاجتماعية، حيث أصبحوا أكثر قدرة على التعامل مع أقرانهم، بالإضافة إلى شعورهم بالراحة النفسية والتقدير الذاتي.
.jpg)
**التأثيرات الإيجابية للأعمال المنزلية**
عالم النفس التنظيمي في كلية وارتون، آدم غرانت، وصف هذه النتائج بأنها "مؤشر مهمل للنجاح والسعادة". وأشار إلى أن تكليف الأطفال بالمهام المنزلية يمكن أن يعزز مهاراتهم الحياتية والاجتماعية بشكل غير مباشر. رغم أن غرانت أقر بأن هناك عوامل أخرى قد تؤثر في نتائج الأطفال، إلا أنه يعتقد أن الأعمال المنزلية تساهم بشكل كبير في تعزيز شخصية الأطفال. وقال غرانت في منشور له على موقع LinkedIn: "إعطاء المسؤولية للأطفال يظهر الثقة ويبني شخصيتهم، كما أن الأعمال المنزلية تعلمهم مهارات مفيدة عندما يكونون بمفردهم".
وأشار غرانت إلى أن أحد العوامل المهمة في عملية تنمية الأطفال هو تعزيز شعورهم بالمسؤولية. يمكن أن يكون لهذا تأثير إيجابي على تطورهم الاجتماعي والنفسي. بمرور الوقت، يساعد هذا الشعور بالمسؤولية الأطفال على أن يصبحوا أفراداً مستقلين، قادرين على التعامل مع تحديات الحياة اليومية بشكل أفضل.
**أهمية منح المسؤولية للأطفال**
ويتفق العديد من الخبراء التربويين مع رأي غرانت. مؤلفة كتاب "تربية رائد أعمال: كيف تساعد أطفالك على تحقيق أحلامهم"، مارغريت ماشول بيسنو، أجرت مقابلات مع 70 والداً من أولئك الذين نجحوا في تربية أطفالهم ليصبحوا شخصيات ناجحة للغاية. أشارت ماشول إلى أن أحد أكبر عناصر الندم لدى هؤلاء الآباء كان عدم منح أطفالهم قدراً كافياً من المسؤولية في مرحلة مبكرة. وأوضحت أن "إعطاء الأطفال المزيد من المهام المنزلية يساعدهم على أن يصبحوا أكثر مسؤولية، كما يعزز لديهم المهارات التي يحتاجونها عند التعامل مع الحياة بمفردهم".
.jpg)
**المهام المنزلية للأطفال في سن مبكرة**
أوضح معهد تنمية الطفل أنه من الممكن تكليف الأطفال في سن 4 إلى 5 سنوات بالعديد من المهام البسيطة التي تساعدهم على تطوير مهاراتهم الحركية والاجتماعية. بعض المهام المقترحة التي يمكن أن يؤديها الأطفال في هذه المرحلة تشمل ترتيب الأسرة دون إشراف، سقي الزهور، وضع الأواني النظيفة في أماكنها المخصصة، مطابقة الجوارب معاً، وإزالة الغبار باستخدام قطعة قماش. هذه المهام البسيطة تساعد الأطفال على تعلم التنظيم، وتمنحهم شعوراً بالإنجاز. مع الوقت، تصبح هذه الأنشطة جزءاً من روتينهم اليومي، مما يعزز لديهم القدرة على تحمل المسؤولية وإدارة الوقت.
**الآثار النفسية والاجتماعية للأعمال المنزلية**
ليس فقط على المستوى الأكاديمي، بل تؤثر المهام المنزلية بشكل كبير على الصحة النفسية للأطفال. من خلال المشاركة في الأنشطة المنزلية، يصبح لدى الطفل فرصة لتطوير مهارات التعاون والعمل الجماعي، فضلاً عن تطوير حس المسؤولية والقدرة على حل المشكلات. تشير الدراسات إلى أن الأطفال الذين يشاركون في الأعمال المنزلية يشعرون بمزيد من الاستقلالية والثقة في أنفسهم، مما يساهم في تحسين تطورهم العاطفي والنفسي.
بالإضافة إلى ذلك، تساعد الأعمال المنزلية الأطفال على تحسين مهاراتهم في التواصل، سواء مع أفراد أسرهم أو مع الآخرين في المجتمع. الأطفال الذين يتعلمون العمل بشكل جماعي والتعاون داخل المنزل يصبحون أكثر قدرة على الانخراط في بيئات اجتماعية متنوعة خارج المنزل، وهو ما ينعكس إيجابياً على تطورهم الاجتماعي والعاطفي.
**نصائح للآباء حول كيفية إسناد المهام المنزلية**
من الأهمية بمكان أن يقوم الآباء بتوجيه أطفالهم بشكل صحيح أثناء تكليفهم بالأعمال المنزلية. من المفيد أن تبدأ المهام في سن مبكرة وبطريقة تتناسب مع قدرات الطفل. كما ينبغي على الآباء أن يتجنبوا تحميل الأطفال مهام فوق طاقتهم، وأن يراعوا استعدادهم وقدرتهم على تنفيذ المهام بشكل جيد. يمكن أن يتم ذلك عن طريق تقسيم المهام إلى خطوات صغيرة يمكن للطفل التعامل معها بشكل تدريجي.
من المهم أيضاً أن يشجع الآباء أطفالهم ويشعرونهم بالفخر لما أنجزوه. هذا النوع من التحفيز يساعد الأطفال على بناء شعور قوي بالتقدير الذاتي والإنجاز، مما يعزز ثقتهم بأنفسهم ويحفزهم على الاستمرار في أداء المهام بنجاح.
**خاتمة**
تؤكد الدراسات الحديثة على أهمية إسناد المهام المنزلية للأطفال في مراحلهم المبكرة. تلك المهام لا تقتصر على تعزيز قدراتهم في المجالات الأكاديمية فحسب، بل تساعدهم في تطوير مهارات حياتية أساسية تؤثر بشكل إيجابي على تطورهم الاجتماعي والنفسي. من خلال تعزيز المسؤولية والتعاون وتطوير المهارات التنظيمية، يمكن للأطفال أن يصبحوا أفراداً قادرين على التعامل مع تحديات الحياة بثقة واستقلالية.